بقلم / محمـــد الدكـــروري
إن المتأمل في قصة نبي الله نوح والطوفان فإنه يري أن زوجة نبى الله نوح الله عليه السلام، وابنه كانا ممن تخلف عن ركوب السفينة بسبب كفرهم، وعصيانهم لنبيهم، حيث دعا نوح عليه السلام ابنه إلى ركوب السفينة قبل أن تبحر في المياه، وكانت دعوته لابنه لعدم يقينه من كونه أحد الكافرين الذين كتب الله عليهم الغرق في الطوفان ظانا بعودته عن الكفر، وقيل إنه كان يأمل من ابنه أن يراجع نفسه فيلتحق بالمؤمنين في السفينة، ويترك الكافرين، إلا أنه رفض الاستجابة لنداء أبيه بالانضمام إليه، والتجأ إلى المعزل الذي ظن أنه سيحميه من الطوفان بعيدا عن أهل الإيمان معتقدا أنه سينجو، إلا أنه لا عاصم من أمر الله تعالى في هذا اليوم العصيب سوى من كتب الله له النجاة برحمته.
ولقد كانت عقوبة قوم نبى الله نوح الله عليه السلام الذين كفروا الغرق بالطوفان بسبب خطاياهم، ثم عقوبة النار في الآخرة، وبعد أن نجى الله تعالى نبيه نوحا عليه السلام، ومن معه، استوت سفينته على الجودي وهو جبل في الجزيرة كما روي عن مجاهد، وروي عن الضحاك أنه جبل في الموصل، وإنه استنادا إلى معظم المؤرخين والأكاديميين في مجال اللغات فإن التوراة التي تعتبر أقدم كتاب ديني قد ذكر قصة نبى الله نوح عليه السلام وهي في الحقيقة عبارة عن مجموعة من المخطوطات، قد كتبت من قبل العديد من الكتاب وليس من كاتب واحد أو مصدر واحد، وإنها على الأغلب قد جمعت في القرن الخامس قبل الميلاد، ونتيجة الاختلاف في المصادر فإن التوراة تظهر شخصيتين متناقضتين.
لنبى الله نوح عليه السلام فتارة نرى نبى الله نوح عليه السلام، كرجل زاهد اختاره الخالق العظيم ليخلص البشرية من الدمار، وتارة أخرى نرى التوراة تصف نبى الله نوح عليه السلام كأول فلاح في البشرية وكان أول صانع للنبيذ، ويرى بعض المحللين إن هذا التناقض في وصف الشخصية قد يكون معناه أنه ربما حدث خطأ أثناء نقل الروايات وإن بطل قصة الطوفان قد يكون جد نوح واسمه بالعبرية أينوخ وبالعربية نوح وإن هناك احتمالا أن التشابه في العبرية بين اسمي نوح وآينوخ قد يكون سببا رئيسيا في هذا التناقض، وتشير الأبحاث الجيولوجية واستنادا إلى دراسة المتحجرات وطبقات علم الأرض إن هناك دلائل على حدوث فيضان في منطقة الشرق الأوسط في العصور القديمة.
ولكن الأبحاث لم تؤكد المعتقد الديني السائد أن الطوفان المذكور قد شمل جميع بقاع الأرض، وتشير دراسة المتحجرات إلى حدوث سلسلة من الفيضانات بين عامي أربعة ألاف إلى ألفين قبل الميلاد، في ما كانت تسمى سابقا بلاد ما بين النهرين والتي كانت تشمل الأرض الواقعة بين نهري دجلة والفرات بما فيها أراضي تقع الآن في سوريا وتركيا والعراق، وأنه من المحتمل جدا أن يكون قصة الطوفان قد نشأت من إحدى هذه الفيضانات وتركت أثارا واضحة في كتابات وأساطير ومعتقدات هذه المنطقة في الشرق الأوسط.
