بقلم / محمـــد الدكـــروري
لقد كان من سماحة النبي وطهارة قلبه أنه عندما وصل إليه صلي الله عليه وسلم، وفد من هوازن المهزومة المغلوبة على أمرها، يرجوه إطلاق سراح النسوة والأطفال من الأسرى، وسرعان ما لبّى النبي صلى الله عليه وسلم الطلب، بما عُرف عنه من دماثة وتسامح، فلقد كان ينشد من جديد في ذروة انتصاره أن يكسب الناس أكثر من نشدانه عقابهم وقصاصهم، ولقد تأثر مالك بن عوف زعيم هوازن المهزومة بهذا العفو الكريم والخلق العظيم من رسول الرحمة محمد صلى الله عليه وسلم، بعدما أطلق له كل الأسرى من قومه، فجادت قريحته لمدح النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذ ينشد أبياتا من الشعر يشكر فيها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وكذلك كانت إنسانيته صلى الله عليه وسلم مع الحيوان، فكان صلى الله عليه وسلم يعتبر الحيوان كيانا معتبرا.
ذا روح، يُحس بالجوع، ويشعر بالعطش، ويتألم بالمرض والتعب، ويدركه ما يدرك الإنسان من أعراض الجسد، لذا رأيناه صلى الله عليه وسلم تتألم نفسه ويرق قلبه لحيوان ألمّ به الجوع ونال منه الجهد؛ فعن سهل بن الحنظلية رضي الله عنه قال: مرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على بعير قد لصق ظهره ببطنه، فقال "اتقوا الله في هذه البهائم المعجمة، فاركبوها صالحة وكلوها صالحة" فعن عبدالرحمن بن عبدالله بن مسعود رحمه الله عن أبيه قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فانطلق لحاجته، فرأينا حُمّرة معها فرخان، فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمرة فجعلت تعرش، فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "مَن فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها" ورأى قرية نمل قد أحرقناها، فقال "مَن أحرق هذه؟"
قلنا نحن، قال "إنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار" فهذا هو نبي الإنسانية، مَن علمها الرحمة والرفق واللين والحب صلى الله عليه وسلم، وتقول السيدة عائشة رضي الله عنها "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيني العظم فأتعرقه، ثم يأخذه فيديره حتى يضع فاه على موضع فمي" فلننظر ولنتأمل كيف يلاطف النبي صلى الله عليه وسلم أهله، ويدخل السرور على قلوبهم؟ وكيف يعاشر أهله بالمعروف؟ فهو القدوة، وهو الأسوة الذي يجب علينا أن نتأسى ونقتدي به، في تعاملنا مع زوجاتنا وأبنائنا، وعن السيدة عائشة رضي الله عنها "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج أقرع بين نسائه، فطارت القرعة لعائشة وحفصة، وكان صلى الله عليه وسلم إذا كان بالليل سار مع عائشة يتحدث.
فقالت حفصة ألا تركبين الليلة بعيري تنظرين وأنظر، فقالت بلى، فركبت، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى جمل عائشة وعليه حفصة، فسلم عليها، ثم سار حتى نزلوا، وافتقدته عائشة، فلما نزلوا جعلت رجليها بين الأذخر، وتقول يا رب سلط عليها عقربا، أو حيّة تلدغني، رسولك، ولا أستطيع أن أقول له شيئا" وفي هذا الحديث يتضح لنا فيه عدل النبي صلى الله عليه وسلم بين زوجاته، وطيب قلب السيدة عائشة وأنها على نياتها، ولا تعلم ما تدبر لها حفصة رضي الله عنهن، فلما علمت بما فعلته لها، تألمت وغارت من هذا الفعل وأخذت تدعو على نفسها بالموت، كيف استأثرت تلك بالنبي صلى الله عليه وسلم، مع أنها هي الأحق، ولم تستطع أن تصنع شيئا سوى أنها رجعت على نفسها تلومها وتدعو عليها.
