في إطار التزاحم وعدم التراحم، والسعي وراء لقمة العيش والجري، و اللهث اليومي نفقد أشياء جميلة، وترحل طباع جميلة مثلما يرحل العمر. أصبح البعض شارد بعالمه الجديد؛ وتختفي مظاهر كانت جميلةوكانت تضيف رونق علي يومياتنا فتجعل حياتنا بنكهات متعددة.
بتلك كلمات الآسى بدأت ديــدة الفنجان الغامق لـوناَ؛الشديد المرارة مذاقـاً يا حفيدتي أنا حزينة لحالنا وما وصلنا إليه… بالأمس جارتي (حُسنية) تم نقلها بسيارة الاسعاف إثـر أزمة قلبية أصابتها؛ وهي تنتظر أولادها بعدما تم عدوها مرات ومرات علي اللمة معها فكـانت تستعد بأشهى الأطباق المحببة للـجميع (الأولاد والأحفاد) وبكل بساطة وعـود لا تتحقق. وأمس قلبها لم يتحمل الانتظار. الحفيدة:مسكينةالجدة حُسنية إلي هذا الحد قلوبنا تقسوا علي من نحب. ديدة: حفيدتي لــو نظـرتي للـماضـي كانت الأحياء بسيطة البناء،وضيقة قليلة الإنارة ومع ذلك كانت الصدور أكثر انشراحًا، والقلوب تنيـرها الألفة والرحمة والمحبة، كان الجار يعرف جاره ويحبه، ويتحمله ويستره، ويستحيي منه، ويحمي عرضَه، ويشاطره أفراحه وأحزانه. أمــا اليــوم اختفـت كثيـر مـن المظـاهـر الحفيدة سارحة توقفت عن سماع صوت ديـدة؛ وبدأت تتذكر اللمة الحلوة وأشكال لمة زمان،كل يوم لمة من الصباح للمساء. الحفيدة قائلة :فتشت في ذاكرتي عن لمتنا وجدت الماضي زاخر بتفاصيل وأحداث,وجدت زخم؛ وشعرت وأنا أتذكر جدتي برائحة الهواء وكأنها تجلس أمامي في بيت العيلة الكبيـر تُعد فنجان القهوة علي السبرتاية, ويجلس جدي يتصفح الجريدة يتسامران ويضحكان وأنا اختلس نظرة،، ويستيقظ البيت كله باكر ليعدوا الفطور الجميع نجلس علي طاولة واحدة..بعدها يذهب من يذهب للعمل ويبدأون لإعداد الغذاء. وتذكرت تلك السنيين الماضية ونحن صغار بالسن عندما كنا نجتمع ونلعب ونمرح ونجلس بجوار جدتنا لتحكي حواديت شيقة. نجري ونتسابق حتى نفوز ونجلس بجوارها مباشرة، والسعيد في ذلك اليوم من يجلس بجانب الجدة وتكون له الحضن الدافئ. كنا نستمع لحديثها وهي تحكـي لنا القصص الجميلة؛ ونحن متشوقين لسماعها ونلاحظ الغيرة في وجوه بعضنا؛ وأنا منهم طبعًا عندما لا تجلسني بجانبها، _غيرة مؤقتة وما نلبث إلا وننساها_ بكيت وحزنت تساءلت أين لمتنا الحلوة؟ _هذه كانت لمحة بسيطة من لمة الحضــر_ إلي لمة الريف قديما كان يُصلى الفلاح الفجر ثم يخرج للحقل وتلحق به زوجته بالفطور يجلسون في الأرض الخضراء يأكلون من خيراتها وضحكاتهم البسيطة تعلـو وتعلـو. تعود الزوجة لإعداد الغذاء؛ ثم تذهب به للغيط أو تنتظر عودة زوجها؛ وتلتف الأسرة على الطبلية فتظل تمـد يدها, وكل يا أبو فلان أنت شقيان طول النهار في الغيط.. يأخذ منها اللقمة لأ..لأ كلى انت ياست (…..) شقيانة مع العيال ما أجمل العطاء والإيثار. لمحة بسيطة لشكل لمتنا زمان كل يوم لمة بحب لو تذكرنا لمة المناسبات أجمل وأجمل... هيا بنا لنتذكر لمة يوم من أيام رمضان ننتظره من العام للـــ عام ننتظـر (الخُشاف, وقمر الدين)وكل المأكولات التي لا تتواجد إلا في رمضـــان. يبدأ أهل الشارع بــ تزويق وتعليق الزينات والفوانيس وننتظر (عمو المسحراتي) لكي يأخذ شلن وينادى على أسامينا, ونستعد لمشاهدة الفوازيرقبل المغـرب وبعد المغرب ونشاهد مسلسل” ألف ليلة وليلة ومسلسل ديني أو تاريخي”. منظم وتنظيم يجعلك تتعبد وتستمتع وتشعر بجمال كل شيء. أين الاجتماع العائلي على الطبلية،واللمة علي فوازير رمضان؟ ديـدة: حفيدتي أيامكم أصبحت ماسخة لا طعم ولا لون فيها. لقد تلاشت في أيامكم هذه القيم والمعاني وتلاشت معها الصور الجميلة..لم يعد للعيد سعادة وفرحة؛ ولا للعُرس جماله وروعته. ولا للغائب عندما يعود بهجة؛ ولا للضيف احتفاؤه وإكرامه؛ ولا للجديد رونقه. تلاشت كل المعاني الحلوة ولم يبق إلا ماديات بلا روح ولا طعم ولا رائحة. أصبح الجميع يكتفي بتهنئة منسوخة بصيغة موحدة تُرسـل لقائمة الأهل/ أصـدقاء/ زملاء/ جيــران. الكـل مشــغـول؛ الجميـع لـديه مشاكل ظـروف يمـر بـمِحـن وشدائـد كــل هذا ليـس عـذراً للـبعـد أو القطيعة. **فهمــــــت اليوم** ما قصدته عبارة جدتي……جاري البحث عن لمتنا الحلوة…